بعد انجلاء غبار عملية الحسم العسكري الثانية في غزة -واقصد هنا عملية تطهير حي الشجاعية من القتلة والمرتزقة والمافيات واللصوص- يقف المرء امام مواقف الجهات المختلفة على الساحة الفلسطينية والاقليمية والدولية، وكذلك يقف امام العديد من المفارقات التي تحتاج الى تسليط الضوء عليها.
وأبدأ بموقف حركة فتح باعتبارها احد طرفي النقيض في هذه المعركة، فحركة فتح لا تنفك تحاول ضرب الاستقرار في غزة وارتكاب الجرائم والتي كان اخرها مجزرة شاطئ غزة، وعندما وجهت حماس اصابع الاتهام لها في هذا الاعتداء الوحشي سارعت فتح الى نفي أي صلة لها بالحادث وحاولت ايهام الناس بان الحادث ناجم عن نزاعات داخل حماس نفسها، وهذا الامر لم تستطع فتح اثباته او اقناع الناس به لما تتمتع به حركة فتح من مصداقية سيئة بين ابناء شعبها وفي مقدمتهم جمهورها.
لقد تحدت فتح حركة حماس ان تثبت ان عناصر فتح هم من نفذوا الهجوم على شاطئ غزة، ووقف الى جانب فتح في هذا الموضوع ما يعرف بالفصائل المجهرية الببغائية (فصائل منظمة التحرير) التي دخلت على الخط واعلنت ان حماس ليس لديها أي دليل على تورط فتح، وعندما قامت الشرطة بدورها في ملاحقة المشتبه بهم للتحقيق معهم واثبات ما ادعته حماس، ثارت الدنيا ولم تقعد على حماس واتهمت بالاجرام والارهاب.. ولست ادري كيف يمكن لاي سلطة في العالم –سواء كانت ديمقراطية ام دكتاتورية- ان تقبل بان يكون داخل اراضيها معسكرات تدريب لمجموعات مسلحة؟ وهل تلام الشرطة عندما تقوم بدورها المطلوب منها في ملاحقة المجرمين والمشتبه بهم وتقديمهم للقضاء العادل.
اما موقف الفصائل المجهرية الببغائية (فصائل منظمة التحرير) فهي كعادتها دائما تبحث عن كسب المزيد من المال السياسي عبر شهادة الزور والنفاق السياسي، فكلما اظهرت ولاءها لحركة فتح وقيادة السلطة، انهمرت عليها الدولارات الامريكية بلا حساب، وسمعنا ورأينا في خلال الايام القليلة الماضية كيف اظهرت هذه الفصائل والناطقين باسمها انحيازا واضحا لا لبس فيه الى جانب حركة فتح من خلال ادانة حركة حماس بأشد عبارات الادانة والاستنكار ومطالبتها بوقف الاعتقالات والملاحقات واغلاق المؤسسات في غزة، في حين لم نسمع من هذه الفصائل سوى دعوات خجولة لسلطة رام الله بالافراج عن المعتقلين لديها.
لا بل ان بعض هذه الفصائل سخرت طاقاتها ووسائل اعلامها للترويج للشائعات الكاذبة التي كانت تصدر عن حركة فتح وابواقها الاعلامية الصفراء.
اما بعض السياسيين والمحللين فقد التزموا ما يعتبرونه جانب الحياد، والقوا باللائمة على الطرفين (فتح وحماس) بنفس الدرجة، واتهموهما بالسعي لمصالحهما الضيقة، ومن هؤلاء عبد الباري عطوان الذي نقدر ونجل وطنيته وحبه لفلسطين لكن سعيه للظهور بمظهر الحياد جعله يضع كلا من حماس وفتح في سلة واحدة، رغم اقراره بان ما جرى في غزة هو نتيجة وجود تيار خياني في حركة فتح يسعى لاثارة الفوضى في قطاع غزة واحراج حماس وإلهائها عن مقاومة الاحتلال ورعاية مصالح المواطنين.. ولم يجب على السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا بوسع حماس او غيرها ان يفعل حيال ما تقوم به عصابات فتح في غزة؟ حاول عطوان خلال ظهوره على قناة الجزيرة اعطاء انطباع بان ما يجري في غزة هو صراع على السلطة رغم قناعته بان ما يجري هو صراع بين عملاء يطبقون اوامر اسيادهم، وبين اناس ليسوا ملائكة ولكن هدفهم هو تحرير ارضهم من الاحتلال واعوانه.
اما عملية الخطف التي مارستها عصابات فتح في الضفة ضد الدكتور محمد غزال فهي تكشف عن الكثير من المعلومات التي يعرفها القاصي والداني.. ولكن من يجرؤ على الكلام؟ فقد جرت عملية الاختطاف في رابعة النهار –وقت الظهيرة- واعلن الخاطفون انتماءهم لحركة فتح، في الوقت الذي لا يكف محافظ نابلس عن الحديث عن الانضباط الامني الذي تنعم به نابلس، وتأكيده ان ملاحقة ابناء حماس والمقاومين الحقيقيين ومصادرة سلاحهم هو بهدف انهاء الفلتان الامني وفوضى السلاح، والكل يعلم ان ابطال الفلتان الامني وفوضى السلاح هم ابناء حركة فتح الذين اختطفوا د. غزل ومن قبله اعدموا انيس السلعوس ومحمد رداد واطلقوا النار على ابناء حماس وتسببوا لهم بشلل او اعاقة دائمة، فلماذا لم يوضع هؤلاء وراء القضبان جزاء ما اقترفت اياديهم القذرة؟؟ ولماذا لم يصادر سلاحهم النجس؟؟ ولماذا يتركون يعيثون في الارض فسادا وفي نهاية المطاف تنتهي القضية بفنجان قهوة!.
ان ما تقوم به عصابات فتح في الضفة الغربية هو اشبه ما يكون بعمل الكلاب البوليسية التي يتم اطلاقها لتهاجم اشخاصا بعينهم ومن ثم تعاد هذه الكلاب الى اقفاصها بانتظار مهمة اخرى، وهذا ما تم بالضبط لعصابات فتح في الضفة وخاصة في نابلس، فكل الناس هناك يعرفون ابو جبل والطيراوي ومرقة وغيرهم الكثير، وهؤلاء تم تسليطهم على ابناء حماس في بداية احداث حزيران 2007 حيث عاثوا فسادا وتقتيلا وارهابان وبعدها استعادت الاجهزة الامنية زمام المبادرة ووضعت هؤلاء الكلاب البوليسية في اقفاص، وبدأت هي عمليات الاختطاف المنظم لابناء حماس وتعذيبهم ومصادرة سلاحهم، وعندما اشتدت الازمة بين فتح وحماس في الشجاعية، لجأت فتح الى كلابها البوليسية مرة اخرى للقيام بالاعمال الخارجة عن القانون حتى لا تحرج نفسها امام المنظمات الحقوقية.
اما موقف حماس باعتقال كبار قادة فتح ردا على اعتقال كبار قادة حماس وافرادها –ورغم رفضي لاسلوب الاعتقال بدون تهمة- الا انه كان واضحا انه اعتقال لهدف انساني محدد وهو الافراج عن المعتقلين في الضفة، وسرعان ما تم الافراج عن عشرة من قادة فتح بكل احترام بعد افراج سلطة رام الله عن ستة من المعتقلين لديها وقد تعرضوا للضرب والاهانة رغم مكانتهم الاكاديمية المرموقة.
لقد جاءت هذه الخطوة الحكيمة من حماس لتقول لفتح: اذا كنتم تعتقلون قادتنا وابناءنا في الضفة فتذكروا جيدا ان لدينا العشرات من قادتكم في غزة ويمكن ان يصيبهم ما يصيب قادتنا في الضفة مثلا بمثل.
لقد كانت حركة فتح هي اول من لجأ الى اسلوب الابتزاز في الصراع الداخلي من خلال اختطاف قادة وابناء حماس لاجبار حماس على القبول بمطالبهم، لعلنا نتذكر ما قامت به فتح قبل سنة ونصف عندما اختطفت مجموعة من اطفال دور القران الكريم قرب نابلس والتهديد باعدامهم لاجبار حماس على فك الحصار عن منزل احد قادة ميليشيات دحلان في غزة.. وبالتالي فان العين بالعين والسن بالسن والبادئ اظلم.
وبالتزامن مع عملية الشجاعية، كان لسلطة رام الله مواجهة اخرى ولكن مع حزب التحرير الذي اعلن عن تنظيم مسيرات ليس لمناصرة حماس ولا احتجاجا على الاعتقال السياسي الذي تقوم به السلطة في الضفة الغربية، ولكن لاحياء ذكرى هدم الخلافة الاسلامية قبل 80 عاما، أي قبل قيام السطة وقل تأسيس حركة فتح نفسها، ومع ذلك كان القمع والتنكيل هو مصيرها، ولكن ما اثار اندهاشي ليس سلوك السلطة، وانما موقف بعض الفصائل والشخصيات التي دعت حزب التحرير الى تقدير الظروف الراهنة والغاء فعالياتها -رغم انها غير موجهة ضد احد- في حين ان نفس الجهات كان لها موقف مختلف عندما كانت حركة فتح هي التي تدعو الى الفعاليات في غزة بعد الحسم العسكري، وكانت هذه الجهات تدعو انصارها الى المشاركة في تلك الفعاليات ومنها صلاة الجمعة الضرار التي شارك فيها الشيوعيون والماركسيون لاول مرة في تاريخهم!! ولم يعط هؤلاء حينها أي تقدير للظروف الراهنة انذاك!!!