٢٦‏/١٢‏/٢٠١٠

المنطق الاعوج في تغطية وكالة "معا" لاخبار الانقسام


سليم راضي
مما لا شك فيه ان الصحافة الفلسطينية تعاني -كمثيلاتها في العالم العربي- من الرقيب الذاتي الذي يمنعها من نشر ما يغضب السلطة الحاكمة في بلدانها، ولقد توسم المواطن الفلسطيني خيرا بظاهرة الصحافة الالكترونية التي نجحت احيانا في التفلت من مقص الرقيب، ونشرت بعض ما يزعج المسؤولين في السلطة، ولكننا لو نظرنا بمنظور اوسع سنجد ان الامر لم يتغير كثيرا، وان هذه الصحافة لا تمتاز عن الصحافة المكتوبة الا بسرعة نشر الخبر الذي ترضى عنه السلطة.
فحال وكالة "معا" المستقلة جداً جداً يبكي كل من وضع امله في استقلالية الصحافة الالكترونية الفلسطينية، فلو تابعنا طريقة تغطية هذه الوكالة المستقلة جدا جدا لاخبار الانقسام الفلسطيني المؤسف، سنجد انها طريقة معوجّة بشكل لا يقبل التأويل.. أنظر كيف تغطي "معا" نبأ قيام اجهزة الامن في غزة باعتقال نشطاء وقيادات حركة فتح، يكون العنوان كالتالي: اجهزة المقالة تعتقل القيادي في فتح (.....)، وبعد عشر ساعات او يوم كامل تنشر توضيحا صدر عن احد المسؤولين في غزة حول سبب الاعتقال ان كان صحيحا، او نفيا لحدوث الاعتقال.
في المقابل، كل يوم تنشر حركة حماس تقريرا باحدث الاعتقالات التي تتم في صفوف قياداتها ونشطائها في الضفة، ويكون مصير هذا التقرير اما التجاهل، او في احسن الاحوال اختصاره بخبر صغير من فقرة واحدة او اثنتين تحت عنوان: حماس تتهم الاجهزة الامنية باعتقال (عدد) من انصارها!! دون نشر اسماء المعتقلين، وهكذا يبقى الخبر في اطار الاتهام القابل للتصديق او التكذيب من قبل القارئ، وطبعا الحجة جاهزة وهو انه لا يمكن لمعا التأكد من اسماء المعتقلين او من صدقية الخبر، وكان بامكان شبكة مراسلي "معا" المنتشرين في كل المناطق التحقق من اعتقال بعض من ورد اسمهم في التقرير.
هذا اليوم نشرت حركة حماس خبرا مفاده ان جهاز المخابرات هدد عدد ممن تم استدعاؤهم من قيادات ونشطاء حماس في رام الله بالابعاد..
خبر مثل هذا يفترض ان يثير غريزة السبق الصحفي لدى وكالة تدعي المهنية والبحث عن ما هو مثير وجديد لاطلاع قرائها عليه، لكن "معا" المستقلة جدا جدا، آثرت في هذه المرة التريث لاكثر من اربع ساعات قبل نشر الخبر، ولم تكلف نفسها او شبكة مراسليها بالبحث والتقصي عن الحقيقية، ولم تجد الحقيقة الا لدى "مصدر امني كبير" في السلطة والذي نفى واستغرب الخبر، وبقدرة قادر حوّلت وكالة "معا" قادة حركة حماس الذين تم استدعاؤهم وتهديدهم بالابعاد، من "ضحايا" الى "مذنبين"!!!
والعجيب ان التقرير الصادر عن حركة حماس اورد بعضا من اسماء من تم تهديدهم، وعلى رأسهم القيادي المعروف جدا يوسف ابو كويك والذي ذهبت زوجته واولاده شهداء بقذيفة دبابة صهيونية عام 2002، وعنوان اقامته معروف وكان بامكان مراسل معا في رام الله الاتصال به والتحقق من صدقية الخبر واخذ تفاصيل اخرى حول الموضوع، ولكن "معا" نشرت الخبر بعد اكثر من اربع ساعات بعنوان "مصدر أمني يستغرب وينفي ما تنشره وسائل اعلام حماس!!".
لو اردنا ان نخضع خبر "التهديد" وخبر "النفي" للمعيار الصحفي المهني البحت، سنجد ان خبر التهديد هو الخبر الابرز وبلا منازع، وليس خبر النفي، لان قيام سلطة تدعي الوطنية بتهديد ابناء شعبها بالابعاد هو الامر المثير، ونفي التهديد امر طبيعي يأتي في السياق، ولكن وكالة معا كان لها مدرسة جديدة وغريبة ومقلوبة في العمل الصحفي، بمقتضاها كان خبر "النفي" هو الابرز، وخبر "التهديد" خبرا ثانويا يأتي في سياق الخبر!!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق